الدبلوماسية الرياضية وإحياء الإرث الأفريقي

القاهرة: «خليجيون 24»
-
بقلم : محمد محمود
وفي مشهد جديد للدبلوماسية الرياضية ودورها المرن في مد الجسور بين الشعوب، تفاعل العديد من متابعي بطولة كأس الأمم الأفريقية مع المشجع الكونغولي الذي جسد شخصية القائد باتريس لومومبا (أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية)، ونقل سيرته إلى الأجيال الجديدة دون أن ينطق بكلمة واحدة. لقد أحدثت الدبلوماسية الظرفية ضجة وأظهرت صلابة الرجل في وقت كان فيه الرجال المخلصون موضع تقدير. ومن أجل الاحتفال بمقاتل عظيم، ظل واقفاً على قدميه – لمدة 90 دقيقة أو أكثر – في كل مباراة لعبها المنتخب الكونغولي ضد منافسيه..
ووقف المشجع الكونغولي ليخلد أمام الجميع صورة واسم المناضل العظيم الذي ظل صوته عاليا في مواجهة المستعمرين. وتتذكر الأجيال السابقة خطبه التي أذيعت في إذاعة «صوت العرب» من القاهرة، وخلد كثير من الدول -التي وقفت شعوبها أمام طغيان المستعمرين- اسم لومومبا، وتزينت الشوارع في مصر والمغرب والجزائر باسم المناضل. واليوم، استطاع هذا الداعم الوفي لتاريخ بلاده أن يضع اسم جمهورية الكونغو الديمقراطية وقادتها التاريخيين في مقدمة المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، ووجه رسالة نبيلة تذكر الضمير الإنساني العالمي للقارة الأفريقية. مصنع الناشطين المناهضين للاستعمار (لومومبا ومواليمو نيريري – وتعني المعلم نيريري باللغة السواحيلية -).
سعت مصر ودول قارتها الأفريقية خلال العقود الماضية إلى ترسيخ ثقافة الانتماء والهوية الوطنية بين أبناء القارة. كدبلوماسي مصري فخور بالانتماء للقارة الإفريقية، أنا متحمس للمساهمة في السرد الإعلامي لحالة الانتماء التي أبرزها مواطن كونغولي في ملاعب المملكة المغربية. الدبلوماسية تسلط الضوء على الهوية، والرياضة تعزز الطاقة. ومن المؤسف أن هناك نقصا في قارتنا الأفريقية. وما يتم تصديره إعلاميا هو أن أفريقيا رمز لعدم الاستقرار وانتشار الأوبئة وغيرها من الأزمات الإنسانية والحروب والفقر، في حين أن ما تمتلكه دول القارة من إمكانات بشرية وموارد طبيعية لا يصل إلى آذاننا ولا آذان من يعيش في المجرة، خاصة الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) التي تتمتع بتاريخ وثروة تعدينية دفعت القوى الاستعمارية التقليدية (بلجيكا وفرنسا في القرن الماضي) والولايات المتحدة والصين حاليا إلى السعي إلى الاحتكار. بما تمتلكه هذه البلاد من ثروات.
في ظل التعقيدات التي تسود المشهد الدولي المعاصر، والتفاعلات العابرة للحدود التي يشهدها كوكبنا والقانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، جاء رجل بسيط من أفريقيا الوسطى إلى المغرب لحضور مباريات منتخب بلاده. ولم يدرك أنه سيقوم – بمفرده – بحراك دبلوماسي غير مسبوق، ويطلق فرضية بسيطة تقوم على أن تعزيز مقدرات البلاد وتاريخها لا يتطلب تخصيص موارد ضخمة؛ ورغم أن المشجع الكونغولي لم ينطق بكلمة واحدة ولم يعاني من الإفراط في التعبير أو الحركة، إلا أنه استطاع أن يجذب أعين وقلوب الكبار والصغار والمسؤولين والجماهير. ووصفته بعض تقارير القنوات الفضائية المعروفة بأنه “استعارة حية” للزعيم لومومبا، وقدم المشجع -بإطلالته الكلاسيكية- صورة راقية وحديثة من التشجيع والدعم للمنتخب في القارة الأفريقية (ماما أفريقيا)..
ولعلنا لا نبالغ عندما نكرر أن تمثيل الوطن لا يقتصر على شخص أو جهة معينة، وأن حدثاً رياضياً أو ملعب مباراة قد يصبح ساحة لإبراز مكانة الوطن في البيئة الجغرافية أو على الساحة الدولية. ومن أبسط سمات الدبلوماسية الرياضية تسهيل التواصل بين الشعوب والمجتمعات، والجمع بين العاطفة وتمثيل الوطن والتعبير عن الانتماء بطرق غير تقليدية وجذابة. ورغم خسارة الكونغو مباراة وخروجها من البطولة، إلا أنها نجحت عبر مشجع متطور في تحقيق مكاسب مختلفة على صعيد السمعة والترويج لتاريخها. تمتلئ المنصات الإعلامية ومحركات البحث بصور وقصص لومومبا، رمز حركات التحرر في أفريقيا. ولمن لا يعلم، تقدر الثروة التعدينية لجمهورية الكونغو الديمقراطية بما يتراوح بين 20 و24 تريليون دولار، وتضم أكثر من 1100 نوع من المعادن الثمينة، أبرزها «الكوبالت» (78% من الإنتاج العالمي)، الذي يستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات..
ويمكن القول إن المغرب واللجنة المنظمة لكأس إفريقيا للأمم يتمتعان بقدر من الذكاء والفطنة لاستغلال حضور المشجع الكونغولي بشكل مميز ليضيف إلى النجاحات التنظيمية التي حققتها البطولة. ولا يمكن إغفال المكاسب التي ستحققها الشعوب الأفريقية من استحضار روح لومومبا وتذكيره بأيقونة التحرر من الاستعمار. ويجب على القارة التي سيتضاعف عدد سكانها عام 2050 أن تثبت قدرتها على الصمود في وجه الأزمات الدولية وتحرير نفسها من قيود استغلال مواردها الطبيعية، وذلك بالاستثمار أولا في مواردها البشرية لتعزيز فرص التنمية وحق شعوب القارة في الاستفادة من مواردها الطبيعية وتوظيفها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية..
أما بالنسبة للفوائد الإنسانية الواردة هنا، فلا يمكننا أن نتجاهلها. العفوية وكرة القدم السحرية أعطت الإنسان البسيط (ميشيل كوكا) ومن القارة الأفريقية وصل إلى المستوى الدولي ومثل بلاده، واحتل مساحة متميزة في المنابر المعنية بالشأن الرياضي، وظهرت أصوات متعددة تطالب بمنحه جائزة رجل البطولة، ووصفه الكثيرون بـ”الرجل العظيم”.(كويل جراند أوم); وهو من التعليقات التي أعجبتني، فهو يتناسب مع الزخم الذي يرافق رجلاً بسيطاً التحق بمهنة الدبلوماسية منذ عدة أيام، ويتحدث في عدة منابر عن فترة غنية من تاريخ بلاده، ويمثلها بعفوية وتعبيرات صادقة..
شكراً لشغف كرة القدم.. شكراً لكأس الأمم الأفريقية.. تحية للطبيعة والنوايا الطيبة.. تحية للمشجع الكونغولي الذي شجع الجميع على تصفح تاريخ قادة أفريقيا التاريخيين، وذكّرنا بأن القارة التي ولدت لومومبا، والتنزاني نيريري، والغاني كوامي نكروما، وغيرهم من قادة حركة الوحدة الأفريقية، ستكون مركزاً جديداً للنمو الاقتصادي والابتكار، وستبرز كقوة اقتصادية ناشئة في المستقبل القريب..
- لمتابعة أخر الاخبار الرياضية كن دائم متابع لنا خليجيون 24 مباشر، وللأخبار العامة تابع خليجيون 24. كما يمكنك متابعتنا علي فيسبوك.



